إخوان الصفاء
143
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وساحت في فضاء الأفلاك ، وسعة السّماوات ، فهي مغتبطة فرحانة مسرورة ملتذّة ما دامت السماوات والأرض . واما عفاريت الجنّ ومردة الشّياطين فهي نفوس شرّيرة مفسدة ، وقد كانت متجسّدة قبل وقتا من الزّمان ، ففارقت أجسادها غير مستبصرة ولا متهذّبة ، فبقيت عميا عن رؤية الحقائق ، صمّا عن استماع الصّواب ، بكما عن النّطق الفكريّ في المعاني اللطيفة ، فهي سابحة في ظلمات بحر الهيولى ، غائصة في قعر من الأجسام المظلمة ، ذي ثلاثة شعب ، تهوي في هاوية البرزخ « 1 » كلما نضجت جلودهم بالبلاء بدّلناهم جلودا غيرها بالكون ، فذلك دأبهم ما دامت السّماوات والأرض لابثين فيها أحقابا لا يجدون برد نسيم عالم الأرواح ، ولا يذوقون لذّة شراب المعارف ، فهذه حالهم إلى يوم يبعثون . وأما الظّاهر من تأثيرات الرأس والذّنب فهو كسوف النّيّرين ، وذلك أنهما من أوكد الأسباب في كسوفهما ، وإنما اقتضت الحكمة كسوف النّيّرين ، لكيما تزول التّهمة والرّيبة من قلوب المرتابين بأنهما إلهان ، فلو كانا إلهين ما انكسفا ، وإنما صارت محنة الشّخصين النّيّرين الجليلين بأمرين خفيّين ، ليكون دليلا « 2 » . على أن أعظم المحنة من الشّيطان على الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم أجمعين ، لأن الأنبياء هم شموس بني آدم وأقمارهم ، فمن ذلك قصّة إبليس مع آدم أبي البشر وإخراجه له من الجنة ، وقصّة ركوبه مع نوح في السفينة ، وقصّته مع إبراهيم خليل الرحمن ، يوم طرح في النار ، في إصلاح المنجنيق « 3 » ، وقصّته مع موسى ، عليه السلام ، حين وسوس إليه ان هذا الكلام الذي تسمع لعلّه ليس كلام ربّ العالمين ، فعند ذلك قال موسى : « ربّ أرني أنظر إليك ، قال : لن تراني . »
--> ( 1 ) البرزخ : الحاجز بين الدنيا والآخرة . ( 2 ) ليكون دليلا : أي كل منهما . ( 3 ) المنجنيق : أي المنجنيق الذي جعل فيه إبراهيم الخليل ، ورمي في النار لكسره الأصنام ، كما ذكر القرآن .